رفيقة الدرب احذري
لا يشد موقف الظلاميين (الخوانجية) من قضية المرأة من حيث طبيعته الموغلة في الرجعية عن باقي مواقفهم. فهم لا يركزون في حديثهم عن واقع المرأة إلا على الجوانب الأخلاقية كتفشي "الإباحة" و "البغاء"
و "التفسخ" و "انحلال الأسرة" و تفككها. و لكنهم يعزلونها عن قاعدتها المادية أي عن النظام الرأسمالي يفسرونها بمجرد عوامل أخلاقية أخرى : ابتعاد عن الدين، و يسعون إلى توظيفها رجعيا ضد المرأة و المجتمع دائما تحت غطاء تطبيق الشريعة مستغلين لأجل ذلك حساسية الضمير الشعبي و الأزمة الأخلاقية التي تنخر مجتمعنا و التي تمثل مظهرا من أزمته العامة ، و المشاعر الدينية للطبقات الشعبية
و توق المرأة الصادق إلى التحرر من القيود التي لا تزال تكبلها.
و يكثر الخوانجية من الحديث على التمزق "النفسي" الذي تعاني منه المرأة العاملة تمزقها بين المنزل و الشغل ، و بين الشغل و تربية الأطفال. و هذا واقع لا يمكن نكرانه في المجتمعات الرأسمالية بما فيه مجتمعنا. و لكن لأي غرض يوظف الظلاميون ذلك؟ و ما هو العمل الذي يقترحونه للقضاء على هذا التمزق؟
إنهم يفعلون ذلك ليضعوا محل سؤال خروج المرأة من البيت و انخراطها النسبي في عملية الإنتاج كعاملة ( أو أجيرة) و ليدعوا إلى إرجاعها إلى المنزل. و يبرر الظلاميون هذا الطرح بتلك الفكرة الرجعية القديمة التي رافقت كل المجتمعات الاستغلالية القائمة على الملكية الخاصة و التي تعتبر أن وظيفة المرأة الأساسية هي الإنجاب و تنشئة الصغار. إنهم يؤكدون على حق المرأة شرعا في الشغل و من ناحية أخرى يسارعون بنفي هذا الحق بالتأكيد على أن وظيفتها الأولى هي الإنجاب و تربية الصغار و أن النفقة عليها موكولة إلى الزوج أو الولي.
و في حقيقة الأمر فإن الشطر الأول من الموقف هو للتضليل و المغالطة و تبقى معارضة تشغيل المرأة هي الموقف الحقيقي. و هم يتبعون في التشريع هذا الموقف الرجعي طريقة أسلافهم في السفسطة و الديماغوجية و ذلك بتغليفه بغلاف ديني حتى يعطيه طابعا قدسيا، و يظهروه على انه أمر إلهي، كقولهم "اقتضت حكمة الله أن المرأة قد هيأتها العناية الإلهية….." ليسهل تمريره. و إننا ندعو القارئ أن يتأمل ما قاله ابن رشد فيلسوف العرب الذي عاش في أواخر القرن 12 و أوائل القرن 13 الميلادي بخصوص المرأة كي يقرن (القارئ) بينه و بينهم و يدرك الهوة السحيقة التي تفصل ابن رشد و هؤلاء رغم الفارق في الزمن:
"يجب أن لا ننخدع بان المرأة تبدو في الظاهر صالحة للعمل و الحضانة فقط، فما ذلك إلا لأن العبودية التي أنشانا عليها نساءنا أتلفت مواهبهن العظيمة، و قضت على إمكانياتها العقلية، فحياة النساء كحياة النبات. فهن عالة على أزواجهن و قد كان ذلك سببا في شقاء المدن و هلاكها"، كما قال:
"إنه يجب على النساء أن يقمن بخدمة المجتمع و الدولة قيام الرجل و أن يمكن من المشاركة في إنتاج الثروة المادية و العقلية و في حفظها" (مقدمات حول واقع المرأة و تجربتها في الثورة الفلسطينية-خديجة بوعلي 1975-ص 31-32).
إن موقف ابن رشد واضح، فقد أدرك فيلسوفنا منذ قرون أن حصر وظيفة المرأة في الإنجاب و الحضانة قتل معنوي لها و خسارة للمجتمع بأسره. ذلك أن مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية- أي اشتغالها- ليس شيئا ضروريا لها فحسب و لكنه أمر تنتهي من دونه إنسانيتها، فالعمل لا يكسب المرأة موردا للعيش و يحقق لها استقلاليتها على المستوى الاقتصادي فقط و لكنه يسمح لها بتفجير طاقاتها الفكرية و الجسدية، و تنمية شخصيتها كما يكسبها كرامتها و يجعلها تتجاوز وضعيتها ككائن لا يصلح إلا ك"وعاء". و ليس عمل المرأة مفيدا لها فحسب و لكنه ضروري للمجتمع بأسره. إذ أن مجتمعا نصفه عاطل -يستهلك و لا ينتج- غنما هو مجتمع محكوم عليه بالتأخر. و بالفعل فإن مجتمعنا يعاني من جملة ما يعانيه من قلة تشغيل النساء و ليس من كثرته ( فمن خمس نساء في سن الشغل لا توجد سوى مرآة واحدة تعمل، و من خمسة نشيطين لا توجد سوى امرأة مقابل أربع رجال: وضعية غير طبيعية ولدتها الرأسمالية).
و هكذا إن أقررنا بحق المرأة المقدس في العمل فمن واجبنا أن لا نبحث عن سبب تمزق المرأة العاملة في انشغالها لان الحالة الطبيعية هي أن تشتغل. و إنما في ظروف المجتمع الرأسمالي، فالمرأة في ظل هذا المجتمع تتعرض لاضطهاد و استغلال يمس طاقتها كقوة منتجة حيث تستنزف داخل المعامل و المصانع…الخ، و أيضا داخل المنازل والبيوت دون الاعتراف بالطابع الإنتاجي للعمل الذي تقوم به داخل المنزل، أي عدم النظر إلى الإنتاج المنزلي كمنتوج مادي( الطبخ-تنظيف البيت- تربية الصغار) مقارنة بما تنتجه المرأة العاملة خارج المنزل. إلى جانب استغلال المرأة الجنسي و تكريس النظرة الدونية لها -التي تع
المزيد