مقدمة الترجمة الروسية لرسائل ماركس إلى كوغلمان[1]
فلاديمير ايليتش أوليانوف.لينين

حين أصدرنا بشكل كراس المجموعة الكاملة من رسائل ماركس إلى كوغلمان، التي نشرتها المجلة الأسبوعية الاشتراكية الديمقراطية الألمانية »نويه زايت«[2]قصدنا أن نطلع الجمهور الروسي أحسن من ذي قبل على ماركس و الماركسية. و كما كان من المتوقع، أخذت الشؤون الشخصية مكانا واسعا جدا في رسائل ماركس.و إنها لمرجع على أكبر درجة من القيمة لأجل وضع ترجمة عن حياة ماركس. و لكن المقاطع التي هي بمثابة مستندات نظرية و سياسية هي أهم بما لا حد له بالنسبة للسواد الأعظم من الجمهور بوجه عام،و بالنسبة للطبقة العاملة الروسية بوجه خاص.فعندنا بالضبط، في العهد الثوري الذي نجتاز، من المفيد بخاصة التعمق بهذه المستندات بأشد ما يكون من الانتباه.فهي تبين لنا كيف يقف ماركس مباشرة من جميع قضايا الحركة العمالية و السياسية العالمية.إن هيئة تحرير «Neue zeit» على حق تماما حين تقول «إن معرفة الرجال الذي تكون تفكيرهم و إرادتهم إبان الانقلابات الكبيرة، ترفعنا». و من الضروري بخاصة للاشتراكي الروسي في 1907، أن يكتسب معرفة كهذه، لأن هذه المعرفة تقدم كثرة من التوجيهات الثمينة جدا حول مهمات الاشتراكيين المباشرة في جميع الثورات التي تجتازها بلاده، على اختلاف ألوانها؛ فإن روسيا تمر الآن بالضبط في »انقلاب كبير«. و لذا ينبغي في أحيان كثيرة،كثيرة جدا،أن تتخذ سياسة ماركس في سنوات العقد السابع من القرن التاسع عشر،العاصفة نسبيا،نموذجا مباشرا لسياسة الاشتراكي-الديمقراطي في الثورة الروسية المعاصرة.
و لذا أتيح لنفسي أن لا أشير إلا بصورة موجزة إلى أهم المقاطع، من الناحية النظرية، في رسائل ماركس،-و أن أتناول بمزيد من التفصيل سياسته الثورية بوصفه ممثل البروليتاريا.
إن رسالة 11 تموز (يوليوز) 1868 (صفحة 42 و ما يليها) ترتدي أهمية بالغة لفهم الماركسية على نحو أكمل و أعمق.فإن ماركس يعرض فيها بوضوح بالغ،و بشكل ملاحظات جدلية موجهة ضد الاقتصاديين المبتذلين،مفهومه هو عما يسمى بنظرية قيمة «العمل».إن الاعتراضات على نظرية ماركس حول القيمة هي بالضبط التي تخامر بصورة جد طبيعية أفكار قراء «رأس المال» الأقل اطلاعا و إدراكا، و التي، لهذا السبب، يرددها بأشد ما يكون من الحمية، ممثلوا «العلم الجامعي» البورجوازي العاديون؛ إن هذه الاعتراضات هي التي يحللها ماركس هنا،بإيجاز،و بساطة، و بوضوح رائع.
فإن ماركس يبين هنا أي سبيل سلك و أي سبيل يترتب سلوكه للتوصل إلى تفسير قانون القيمة. و هو يعلمنا طريقته و ذلك باستخدام أبسط الاعتراضات و يوضح الصلة القائمة بين مسألة نظرية و مجردة خالصة(في الظاهر) كنظرية القيمة و بين «مصالح الطبقات السائدة» التي تطالب ب «تخليد البلبلة».يبقى أن نتمنى لجميع الذين بدأوا يدرسون ماركس و يقرأون «رأس المال» أن يقرؤوا و يعيدوا قراءة الرسالة التي نشير إليها،مع دراستهم الفصول الأولى من «رأس المال»، و هي أشق الفصول.
و ثمة مقاطع أخرى من الرسائل، مفيدة بخاصة من الناحية النظرية، و هي المقاطع التي يبدي فيها ماركس رأيه حول شتى الكتاب.فعند قراءة هذه الأسطر الزاخرة بالحركة و النشاط و الحماسة، و التي يتجلى فيها اهتمام ماركس الشديد بجميع التيارات الفكرية و بتحليلها، نخال أننا نسمع صوت المفكر العبقري.و علاوة على بعض التقديرات التي أبداها ماركس عرضا حول ديتزغن، تستحق أحكامه على البرود ونيين [3] (صفحة 17) اهتماما خاصا من القراء. فان ماركس يرسم هنا، ببضعة خطوط ذات وضوح أخاذ ،الشبيبة المثقفة البورجوازية «اللامعة» التي تندفع «نحو البروليتاريا»، في مراحل النهوض الاجتماعي، دون أن تستطيع استيعاب مفاهيم الطبقة العاملة و العمل جديا، و بمثابرة، «في صفوف» المنظمات البروليتارية [4].
و هاكم في الصفحة 35 [5]، حكما على دوهرينغ،يستبق ، إذا جاز القول، مضمون الكتاب الشهير الذي كتبه أنجلس بعد تسع سنوات (و بالتعاون مع ماركس) "anti-Dühring"/ "ضد دوهرينغ". و ثمة ترجمة روسية لهذا الكتاب قام بها تسيدرباوم، غير أنها مع الأسف، تنطوي على نواقص،بل هي سيئة جدا و حافلة بالأخطاء. و نجد هنا أيضا تقديرا حول تيونن، و هو تقدير يمس كذلك نظرية الريع التي وضعها ريكاردو [6].فحينذاك،في 1868، نبذ ماركس بحزم «أخطاء ريكاردو» ثم دحضها نهائيا في المجلد الثالث من «رأس المال» الصادر عام 1894؛ و مع ذلك،يكرر المحرفون هذه الأخطاء حتى يومنا هذه،ابتداء من صاحبنا البورجوازي المتطرف بل «الرجعي المتطرف»،السيد بولغاكوف، حتى «القويم المبدأ تقريبا»/ماسلوف.
و الحكم على بوخنر طريف أيضا:فإن ماركس يصف في هذا الحكم المادية المبتذلة و "الثرثرة السطحية" المستمدة من لانغه (المصدر العادي للفلسفة «الجامعية» البورجوازية!) (صفحة 48).
و ننتقل إلى سياسة ماركس الثورية.فعندنا في روسيا نرى أن المفهوم التافه الضيق الأفق حول الماركسية واسع الانتشار إلى حد مدهش بين الاشتراكيين-الديمقراطيين،و هو مفهوم يقول أن المرحلة الثورية،بأشكالها النضالية الخاصة و بالمهمات الخاصة الملقاة على عاتق البروليتاريا، تكاد تكون شذوذا،بينما "الدستور" و "أقصى المعارضة"-هما القاعدة. و ليس ثمة حاليا في أي بلد "ماركسيون" (يحطون من قدر الماركسية إلى درجة الابتذال و السطحية) ينظرون إلى الثورة نظرة تشكك و ضيق و تفاهة كما ينظر إليها "ماركسيو" روسيا.فلأن مضمون الثورة بورجوازي، يستنتجون بكل تفاهة في بلادنا أن البورجوازية هي محرك الثورة، و أن للبروليتاريا مهمات ثانوية،تابعة،في هذه الثورة، و أنه يستحيل عليها قيادة الثورة!
ما أشد ما يفضح ماركس،في رسائله إلى كوغلمان،تفاهة هذه المفهوم عن الماركسية! إليكم رسالة مؤرخة في 6 نيسان (أبريل) 1866. في ذلك الحين، كان ماركس قد أنهى مؤلفه الرئيسي. و قبل أربع عشر سنة [7]، كان أبدى حكما قاطعا حول الثورة الألمانية التي قامت عام 1848. ثم استنكر بنفسه، عام 1850 [8]، أوهامه الاشتراكية التي أبداها عام 1848 حول حدوث ثورة اشتراكية وشيكة. و في عام 1866، حين أخذ فقط يلاحظ تنامي أزمات سياسية جديدة:كتب يقول:
«هل يدرك أصحابنا التافهون الضيقو الأفق (والمقصود بهم البورجوازيون الليبراليون الألمان) أخيرا أن الأمر سيبلغ بنا،في آخر المطاف،إلى حرب جديدة كحرب الثلاثين سنة [9]، إذا لم تنشب ثورة تطيح بآل هابسبورغ و آل هوهنزوللرن…» (صفحة13-14) [10].
فليس ثمة أي وهم يقول أن الثورة المقبلة(التي جاءت من فوق لا من تحت كما كان يتوقع ماركس) ستقضي على البورجوازية و الرأسمالية.فإن ماركس يلاحظ بأشد ما يكون من الوضوح و الجلاء أن هذه الثورة ستقضي فقط على الملكية البروسية و الملكية النمساوية.و أي إيمان بهذه الثورة البورجوازية! أية حماسة ثورية متأججة عند هذا المكافح البروليتاري الذي يدرك دور الثورة البورجوازية الهائل في سبيل سير الاشتراكية إلى أمام!
بعد ثلاث سنوات،لاحظ ماركس حركة اجتماعية «جد طريفة»، عشية انهيار الإمبراطورية الفرنسية الثانية،فتحدث بحماسة حقيقية عن أن «الباريسيين أخذوا حقا و صدقا يدرسون ماضيهم الثوري القريب العهد استعدادا للنضال الثوري الجديد الذي يقترب». و بعد أن وصف ماركس النضال الطبقي كما يبينه هذا التحليل للماضي، استنتج(صفحة 56) قائلا :«هكذا تغلي قدر التاريخ الساحر! فمتى نبلغ عندنا (في ألمانيا!» [11]
هذا ما ينبغي أن يتعلمه من ماركس الماركسيون المثقفون الروس،الذين أوهنهم الارتياب،و صيرهم الإدعاء بالعلم و المعرفة بلداء بلهاء،و الذين يميلون إلى خطب الندامة،و يتعبون سريعا من الثورة، و يحلمون بجنازة الثورة،كما يحلمون بعيد من الأعياد،و الاستعاضة عنها بنثر دستوري. ينبغي عليهم أن يتعلموا من نظري البروليتاريا و زعيمهم،الإيمان بالثورة، و الطريقة التي ينبغي بها دعوة الطبقة العاملة إلى الدفاع حتى النهاية عن مهماتها الثورية المباشرة،و الصلابة الروحية التي لا ترضى بنحيب الوجل عندما تمنى لثورة بهزائم مؤقتة.
إن أدعياء الماركسية يعتقدون أن كل ذلك ليس سوى ثرثرة أخلاقية،و نزعة رومانطيقية، و ابتعاد تام عن الواقعية! كلا، أيها السادة، إنما ذلك هو اتحاد النظرية الثورية و السياسة الثورية، هو اتحاد بدونه لا تبقى الماركسية سوى ضرب من البرينتانية و الستر وفية و الزومبارتية [12].
إن مذهب ماركس قد دمج في كل واحد لا يتجزأ نظرية و تطبيق النضال الطبقي.فليس بماركسي ذلك الذي ،رغبة منه في تبرير ما هو قائم، يشوه نظرية تلاحظ الحالة الموضوعية بكل وضوح،و الذي يبلغ به الأمر حد الرغبة في التكيف بأسرع وقت ممكن تبعا لكل هبوط مؤقت في الثورة،و في التخلي دون أي إبطاء عن "الأوهام الثورية" لقاء أشياء طفيفة،و لكنها "واقعية".
في أهدأ المراحل،و كما يبدو،في أكثرها "عذوبة و سذاجة"، على حد قول ماركس،في مراحل "الركود الكئيب" (على حد تعبير هيئة تحرير "Neue Zeit") كان ماركس يعرف كيف يشعر باقتراب الثورة و كيف يرفع البروليتاريا حتى تدرك مهماتها الطليعية،الثورية.
إن مثقفينا الروس الذين يسعون،مثل التافهين الضيقي الأفق ،إلى تبسيط ماركس،يعلمون البروليتاريا،في أكثر المراحل ثورية،سياسة الجمود،يعلمونها أن تتبع "التيار" باتضاع،أن تساند بوجل أكثر العناصر ترجرجا في الحزب الليبرالي الذي هو على الموضة!
إن الحكم الذي أبداه ماركس بصدد الكومونة هو تتويج كل مراسلته مع كوغلمان. و هذا الحكم ثمين بخاصة إذا قورن بأساليب الجناح اليميني من الاشتراكيين-الديمقراطيين الروس.فإن بليخانوف الذي هتف بخشية بعد كانون الأول (ديسمبر) 1905: «لم يكن ينبغي حمل السلاح»، قد تواضع إلى حد أنه قا
المزيد